محمد سعيد رمضان البوطي

42

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

تلك هي خلاصة أفكاره في الكتاب . وتقرأ هذه الأفكار من أولها إلى آخرها فلا تجده يقدم إليك دليلا واحدا على شيء مما يقول . وتتأمل في هذا الذي يعرضه ، فلا تشك في أن الرجل قد استودع قواه العقلية بعيدا عن المكان الذي جلس يكتب فيه ، واستعاض عنها بأوهام وخيالات خصبة راح يستوحي منها كل ما يقرره ويحكم به . ويبدو أنه حينما جلس يكتب مقدمة الترجمة العربية له ، تصور كيف أن القراء سينبذون أفكاره هذه عن الإسلام باحتقار ، فراح يعتذر ! . . راح يعتذر بأن قال : « إن الأفكار التي أسست عليها هذه الفصول ليست بنات دماغ هذا المؤلف ، بل سبقني إليها ودلني عليها جماعة من المفكرين ومن أقطاب المسلمين ، وقد يطول إحصاؤهم ، فسأكتفي بذكر أحدهم بسبيل المثال ، هو الشيخ الكبير شاه ولي اللّه الدهلوي » . ثم نقل نصا للشاه ولي اللّه الدهلوي عزاه إلى ج 1 ص 122 من كتابه حجة اللّه البالغة ، ويبدو أنه اطمأن إلى أن أحدا من القراء لن يجشم نفسه مشقة الرجوع إلى الكتاب والتأكد من النص الذي فيه ، فحرف على لسان الرجل ما شاء له هواه . واقتنص منه ما رآه كفيلا بتحوير معناه وتنكيس مقصده ، حتى حمله بذلك من الوزر ما لم يحمل وأنطقه بما هو منه بريء . فأما النص كما انتزعه واقتنصه من أصله فهو ما يلي : « إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعث بعثة تتضمن بعثة أخرى ، فالأولى إنما كانت إلى بني إسماعيل . . وهذه البعثة تستوجب أن يكون مادة شريعته ما عندهم من الشعائر وسنن العبادات ووجوه الارتفاقات ، إذ الشرع إنما هو إصلاح ما عندهم لا تكليفهم بما لا يعرفونه أصلا » « 11 » . وأما النص الكامل الثابت في كتاب حجة اللّه البالغة إلى جانب نفس العبارات التي اقتنصها ليحور معناها فهو ما يلي : « واعلم أنه صلّى اللّه عليه وسلم بعث بالحنيفية الإسماعيلية ، لإقامة عوجها وإزالة تحريفها وإشاعة نورها ، وذلك قوله تعالى : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ولما كان الأمر على ذلك ، وجب أن تكون أصول تلك الملة مسلمة وسنتها مقررة ، إذ النبي إذا بعث إلى قوم فيهم بقية سنة راشدة فلا معنى لتغييرها وتبديلها ، بل الواجب تقريرها لأنه أطوع لنفوسهم وأثبت عند الاحتجاج عليهم ، وكان بنو إسماعيل توارثوا منهاج أبيهم إسماعيل ، فكانوا على تلك الشريعة إلى أن وجد عمرو بن لحيّ ، فأدخل فيها أشياء برأيه الكاسد ، فضل وأضل . وشرع عبادة الأوثان وسيّب السوائب وبحر البحائر ، فهنالك بطل الدين واختلط الصحيح بالفاسد وغلب عليهم الجهل والشرك والكفر فبعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم مقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم ، فنظر صلّى اللّه عليه وسلم في شريعتهم فما كان منها موافقا لمنهاج

--> ( 11 ) انظر بنية الفكر الديني لجيب : 58